الجصاص

369

أحكام القرآن

لا يجوز له أن يحكم لنفسه ، فعلمنا أن المولى لا يملك استماع البينة على عبده بذلك ولا قطعه . وأيضا فإن المولى والأجنبي سواء في حد العبد والأمة ، بدلالة أن إقراره به عليه غير مقبول وأن إقرار العبد على نفسه بذلك مقبول وإن جحده المولى ، فلما كانا في ذلك في حكم الأجنبيين وجب أن يكون المولى بمنزلة الأجنبي في إقامة الحد عليه ، وإنما جاز للحاكم أن يسمع البينة ويقيم الحد لأن قوله مقبول في ثبوت موجب الحد عنه فلذلك سمع البينة وحكم بالحد ز فإن قيل : يجوز إقرار الانسان على نفسه بما يوجب الحد ولا يملك مع ذلك إقامة الحد على نفسه . قيل له : إذا كان من يجوز إقراره على نفسه ولا يقيم الحد على نفسه فمن لا يجوز إقراره على عبده أحرى بأن لا يقيم الحد عليه . فإن قيل : فلا نجعل قول الحاكم عليه علة جواز إقامة الحد عليه . قيل له : إن قول الحاكم : " قد ثبت عندي " لا يوجب عليه الحد وليس بإقرار منه ، وإنما هو حكم ، وكذلك البينة إذا قامت عنده فإنه يقيم الحد من طريق الحكم ، فمن لا يقبل قول في الحكم فهو لا يملك سماع البينة ولا إقامة الحد . فإن قيل : إن أبا حنيفة وأبا يوسف لا يقبلان قول الحاكم بما يوجب الحد لأنهما يقولان : " لا يحكم بعلمه في الحدود " . قيل له : ليس معنى ذلك أن قول الحاكم غير مقبول إذا قال : " ثبت ذلك عندي ببينة أو بإقرار " لأن من قولهما إن ذلك مقبول ، وإنما معنى قولهما : " إنه لا يحكم بعلمه في الحدود " أنه لو شاهد رجلا على زنا أو سرقة أو شرب خمر لم يقم عليه الحد بعلمه ، فأما إذا قال : " قد شهد عندي شهود بذلك " أو قال : " أقر عندي بذلك " فإن قوله مقبول منه في ذلك ويسع من أمره الحاكم بالرجم والقطع أن يرجم ويقطع . واحتج المخالف لنا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " ، وقوله : " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها وإن عادت فليجلدها وإن عادت فليجلدها ولا يثرب عليها ، فإن عادت فليبعها ولو بضفير " ، وقد روي في بعض ألفاظ هذا الحديث : " فليقم عليها الحد " ، قال أبو بكر : لا دلالة في هذه الأخبار على ما ذهبوا إليه ، وذلك لأن قوله : " أقيموا الحدود على ما مبكت أيمانكم " هو كقوله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) [ المائدة : 38 ] ، وقوله : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) ، ومعلوم أن المراد رفعه إلى الإمام لإقامة الحد ، فالمخاطبون بإقامة الحد هم الأئمة وسائر الناس مخاطبون برفعهم إليهم حتى يقيموا عليهم الحدود ، فكذلك